لغة الفاه والقلب
تأليف : عمر الفقير
يتملكني شعور مراوغ، يأبى الثبات على صورة واضحة. شعور الرومانسية متشبتا بركائزه النادمين الحالمين، هو الاحساس الملائكي المتملك في شخص الطبيعة الأم وما يحمله الانسان من تهافت على الحب والتملك الانساني. حُدِّثنا عن أشعار العشق والغرام، وما يغزو القلب من إلهام لكن لن يعادل بدوره شعور الجوارح بالافتتان، العقل بالهذيان والجسد بالقشعريرة. ما يعادل هذا شيئا مما عرفناه سنوات مضت رغم تعمقنا في تجاربنا، خيبتنا المرة في ما عهدناه كونه مجرد من لغة التولع إنما نشوة عابرة، تمر على غيابات فهمنا المحدود مرور المغتربين، متمتمة "على الدنيا السلام.
ما بلغة الرومانسية شائبة العملية والتكرار المسيء لها، يقال أن شكسبير تلهفت أشعاره بنور معشوقته وما كان ليكتب حرفا دون ذاك الشعور بالولع والحنين فتكلم بحديث الرومانسية المطلقة، فيتبين هذا تحت أشعاره ومسرحياته الملهمة للملايين المعبرين عن حبهم البتول الأبدي.
فلنسدل الستار على كل ما يدَرَّس عن لغة القلوب فما لذاك منها وصال أو قرابة، ولنفتح معا باب الفهم الفعلي لها. الاثارة لم تتعلق أبدا بمفهوم الرومانسية، اعتقاداتنا ملتوية عن هذا المذهب الأدبي، فالإنسان ما لم يقم برحلة الفهم أو يتحلى بالمنطق والمسؤولية، ما لم يعانق روحه ويصرخ فلن يكون سوى أحمقا.
فطرتنا كجوهر ولب كل شطر من جسمنا، تجعلنا في احتياج للانفراد والعزلة كسبب يضاف إلى ترويض النفس. فالاعتزال دائما ما أُخذ بنظرة التشاؤم في مجتمعاتنا ومحط شبهات وكأن أنبياء الله ما اختلوا إلا لشر يذكر وحاشا لمقامهم ذاك، يجعلنا هذا واقفين عاجزين أمام باب السؤال. البعد عن المجتمع أو "الآخر" كمفهوم فلسفي يحفز فكرة البحث أكثر عن مفاهيم تقرب إلى العزلة والاختلاء بالنفس، ظاهرا وباطنا، سهلا كان الفعل أو صعبا لكن طواعية لا قهرا حتى تشمل التولع والتحبب في عزلة تظهر لغارمها كموضع الوضوح والبيان.
كل بحوثنا وسراديب عمقنا في الخلق والوجود كانا سببا للبحث عن حقيقة الكل، وما يتحقق هذا إلا بالانعزال التام حتى تُرى الأشياء بمنتهي العِلِيِّ والوضوح، كل حديثنا عن الاعتزال الفردي تسبقه العزيمة والشجاعة للتخلي عن جزء الدنيا من أجل هدف أسمى. بيد أن نظرة الجل تجاه العزلة تنزلق نحو سقوط مفخخ إلى مفهوم الخلوة، والذي يختلف إلى مناقضته في الهدف، فما يميز العزلة هو البحث والتحري بنية الانسان ذي الفطرة السوية، يغوص فيها راجيا الحق والمعرفة حتى يقي روحه، يربي نفسه على تقديس الفهم واستصغار ما يعيشه المجتمع من مشاكل ونزوات مدمرة، الخلوة بدورها ألفناها في نطاقها المتعلق بالعلاقات، سواء الشرعية منها أو المحرمة، لكن اصطلاح الأمر لا يجعل من الكلمة محل استحضار في موقف هو بالأحرى شامل للوجود الانساني ولعلم الكلام والحديث عما وراء الطبيعة.
المراد من فلسفة التبيان للعزلة، هو التعامل مع الأمر كأي نشاط آخر ضمن التعبد والتفقه، وبعض الأحيان التوله بالمطلق فلا حرج من اعتزال الانسان لزوجه وبنيه، أحباءه وذويه إن كان مقصده التطلع في الورى، وما يكون ذلك إلا للتفكر والتدبر. وهذا ولانطلاقاته معايير حددت ولخصت ظاهرة دون التباس، فمن أراد الاعتزال، عليه بتمحيص مفهوم الولع دون الرغبة، والنشوة دون الرعشة . كلها اصطلاحات علقت بمنطق العلاقات، لكن ما أن يشطر جزءها الثاني حتى يظهر خيرها ويتبين صلاحها لكل معتزل حكيم. ما المجتمع والكثرة إلا دخلاء لا عوائق في عمل العزلة. فكم من وحيد في الفراغ مفتضح وكم من عزيز بين الناس معتزل.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire